الغزالي
17
إحياء علوم الدين
وقال في حديث [ 1 ] سعد حين أوصاه سلمان : اتق الله عند همك إذا هممت . وقال محمد ابن علي : إن المؤمن وقاف متأن ، يقف عند همه ، ليس كحاطب ليل فهذا هو النظر الأوّل في هذه المراقبة ، ولا يخلص من هذا إلا العلم المتين ، والمعرفة الحقيقية بأسرار الأعمال ، وأغوار النفس ، ومكايد الشيطان . فمتى لم يعرف نفسه ، وربه وعدوّه إبليس ، ولم يعرف ما يوافق هواه ، ولم يميز بينه وبين ما يحبه الله ويرضاه في نيته وهمته ، وفكرته ، وسكونه ، وحركته ، فلا يسلم في هذه المراقبة ، بل الأكثرون يرتكبون الجهل فيما يكرهه الله تعالى ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ولا تظنن أن الجاهل بما يقدر على التعلم فيه يعذر . هيهات ، بل طلب العلم فريضة على كل مسلم ، ولهذا كانت ركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة من غير عالم ، لأنه يعلم آفات النفوس ومكايد الشيطان ، ومواضع الغرور ، فيتقى ذلك . والجاهل لا يعرفه ، فكيف يحترز منه ! فلا يزال الجاهل في تعب ، والشيطان منه في فرح وشماتة . فنعوذ باللَّه من الجهل والغفلة ، فهو رأس كل شقاوة ، وأساس كل خسران فحكم الله تعالى على كل عبد أن يراقب نفسه عند همه بالفعل وسعيه بالجارحة ، فيتوقف عن الهم وعن السعي حتى ينكشف له بنور العلم أنه لله تعالى فيمضيه ، أو هو لهوى النفس فيتقيه ، ويزجر القلب عن الفكر فيه ، وعن الهم به . فإن الخطرة الأولى في الباطل إذا لم تدفع أورثت الرغبة ، والرغبة تورث الهم ، والهم يورث جزم القصد ، والقصد يورث الفعل ، والفعل يورث البوار والمقت . فينبغي أن تحسم مادة الشر من منبعه الأوّل ، وهو الخاطر ، فإن جميع ما وراء يتبعه . ومهما أشكل على العبد ذلك ، وأظلمت الواقعة فلم ينكشف له ، فيتفكَّر في ذلك بنور العلم ، ويستعيذ باللَّه من مكر الشيطان بواسطة الهوى . فإن عجز عن الاجتهاد والفكر بنفسه فيستضيء بنور علماء الدين وليفر من العلماء المضلين المقبلين على الدنيا فراره من الشيطان ، بل أشد ، فقد أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : لا تسأل عنى عالما أسكره حب الدنيا فيقطعك عن محبتي ، أولئك قطاع الطريق على